الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
300
الأخلاق في القرآن
وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي » . والحقيقة أنّ الآية ذكرت ، أنّ الهدف والفلسفة الأصليّة للصّلاة ، هي ذكر اللَّه تعالى ، وما ذلك إلّا لأهميّة الذّكر ، في حركة الإنسان المنفتحة على اللَّه تعالى ، وخُصوصاً أنّها ذكرت مسألة الصّلاة ، وذكر اللَّه بعد بحث التّوحيد مباشرةً . « الآية الرابعة » خاطبت الأخوين موسى وهارون عليهما السلام ، من موقع نَصبهما لِمقُام النّبوة والسّفارة الإلهيّة ، وأمرتهما بمحاربة قوى الانحراف والزّيغ ، والتّصدي لفرعون وأعوانه : « اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي » . فالأمر بذكر اللَّه تعالى وعدم التّواني فيه ، لِلوقوف بوجه طاغية : مثلَ فِرعون ، هو أمرٌ يحكي عن دور الذّكر وأبعاده الوسيعة ، وأهميّته الكبيرة في عمليّة السّلوك إلى اللَّه تعالى ، فذِكر اللَّه يمنح الإنسان عناصر القّوة والشّجاعة ، في عمليّة مواجهة التّحديات الصّعبة ، لِلواقع المُنحرف . وَوَرد في تفسير : « في ظِلال القرآن » ، في مَعرض تفسيره لهذه الآية ، قوله : ( إنّ اللَّه تعالى أمر موسى وهارون عليهما السلام ، أن اذكروني ، فإنّ ذِكري ، هو سِلاحكم ووسيلتكم لِلنجاة » « 1 » . وبعض المفسّرين فسّروا كلمة « الذّكر » ، الواردة في الآية ، بإبلاغ الرّسالة ، وقال البعض الآخر ، أنّها مطلق الأمر بالذّكر ، وقال آخرون : إنّها ذِكر اللَّه تعالى خاصّةً ، والحقيقة أنّه لا فرق بين التّفسيرات الثّلاثة ، ويمكن أن تجتمع كلّها في مفهوم الآية . ومن المعلوم أنّ الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، ولِاجل أن يستمر في إبلاغ الرّسالة ، والتّحرك في خطّ الطّاعة والتّصدي لقوى الباطل والانحراف ، عليه أن يستمد القوّة والقدرة من ذكر اللَّه تعالى ، والتّوجه إليه في واقع النّفس والقلب .
--> ( 1 ) . في ظِلال القرآن ، ج 5 ، ص 474 .